أحمد بن محمد المقري التلمساني
25
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
قلنا : لقد جمع جواد القلم فأطلقنا ونحن نشير إلى هذا الرئيس وتبدل طباعه ، بعد انقضاء أعوام شاهدة باضطلاعه ، وإحراز شيم أدّت إلى علوّ مقداره ، واستقامة مداره ، فآل عمر مولانا جدّنا إلى النفاد ، ورمت رئيس كتّابه هذا أسهم الحساد ، فظهر الخفيّ ، وسقط به الليل على سرحان ، وقد طالما جرّب الوفيّ والصفيّ . وكان من شأنه الاستخفاف بأولياء الأمر من حجّاب الدولة ، والاسترسال في الردّ عليهم بالطبع والجبلّة ، مع الاستغراق في غمار الفتن أندلسا وغربا ، ومراعاة حظوظ نفسه استيلاء وغصبا ، أما الجراءة فانتضى سيوفها ، وأما إكفاء السماء على الأرض فقواصم نوّع صنوفها ، وأما المجاهرة فوقف بميدان الاعتراض صفوفها ، وأما المجاملة فنكّر معروفها ، أداه هذا النبأ العظيم إلى سكنى المعتقل بقصبة ألمرية ، وعلى الأثر كان الفرج قريبا ، وسطور المؤاخذة قد أوسعها العفو تضريبا ، ونالته هذه المحنة عند وفاة مولانا الجدّ الغني بالله ، وكانت وفاته غرة شهر صفر عام ثلاثة وتسعين وسبعمائة ؛ لأسباب يطول شرحها أظهرها شراسة في لسانه ، واغترار بمكانه ، وتضريب بين خدام السلطان وأعوانه ، فكبا لليدين والفم ، إلى أن منّ اللّه تعالى بسراحه ، وأعاده إلى الحضرة في أول شهر رمضان المعظم من عام أربعة وتسعين وسبعمائة ، فكان ما كان من وفاة مولانا الوالد رحمه اللّه تعالى ! وقيام أخينا محمد مقامه بالأمر ، فاستمرّ الحال أياما قلائل ، وقدم للكتابة الفقيه ابن عاصم لمدة من عام ، ثم أعاد المذكور إلى خطته وقد دمثت « 1 » بعض أخلاقه ، وخمدت شراسته وحلا بعض مذاقه ، فما كان إلّا كلا وليت وإذا به قد ساء مشهدا وغيبا ، وأوسع الضمائر شكّا وريبا ، وغلبت الإحن « 2 » عليه ، وغلت مراجلها لديه ، فصار يتقلّب على جمر الغضى ، ويتبرّم بالقضا « 3 » ، ويظهر النصح وفي طيّه التشفّي ، ويسم نفسه بالصلاح ، ويعلن بالخشوع ، ويشير بأنه الناصح الأمين ، ويتلو قوله تعالى وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [ سورة الأعراف ، الآية : 79 ] ورتب على المشتغلين كبيرهم وصغيرهم ذنوبا لم يقترفوها ، ونسب إليهم نسبا من التضييع لم يعرفوها ، وأنهم احتجنوا الأموال « 4 » ، وأساؤوا الأعمال والأقوال ، فلم يظفر من ذلك بكبير طائل ، ولا حصل على تفاوت أعداده على حاصل ، هذا على قلّة معرفته بتلك الطريقة الاشتغالية ، وعدم اضطلاعه بالأمور الجبائية ، فمن نفس يروّع سربها ، ويكدر بالامتحان والامتهان شربها ، ومن ضارعة خاشعة للّه تعالى سلبت ، وطولبت بغير ما اكتسبت ، وتعدّت
--> ( 1 ) دمثت أخلاقه : سهلت ولانت . ( 2 ) الإحن : جمع إحنة ، وهي الحقد والضغينة . ( 3 ) تبرم بالقضا : ضجر من القضاء وسئمه . ( 4 ) احتجنوا الأموال : ضموها إلى أنفسهم .